فصل: فَصْلٌ: بَيَانُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: كَيْفِيَّةُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ:

وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فَهُوَ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَيْنًا حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْوَلِيُّ أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ مِنْ الْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَلَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ أَوْ عَفَا الْوَلِيُّ سَقَطَ الْمُوجِبُ أَصْلًا، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَلِلشَّافِعِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- قَوْلَانِ: فِي قَوْلٍ: الْقِصَاصِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَيْنًا بَلْ الْوَاجِبُ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ غَيْرَ عَيْنٍ (إمَّا) الْقِصَاصُ (وَإِمَّا) الدِّيَةُ، وَلِلْوَلِيِّ خِيَارُ التَّعْيِينِ إنْ شَاءَ اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْقَاتِلِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إذَا مَاتَ الْقَاتِلُ يَتَعَيَّنُ الْمَالُ وَاجِبًا، فَإِذَا عَفَا الْوَلِيُّ سَقَطَ الْمُوجِبُ أَصْلًا، وَفِي قَوْلٍ الْقِصَاصُ وَاجِبٌ عَيْنًا لَكِنْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْقَاتِلِ، وَإِذَا عَفَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ، وَإِذَا مَاتَ الْقَاتِلُ سَقَطَ الْمُوجِبُ أَصْلًا احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}.
مَعْنَاهُ فَلْيَتَتَبَّعْ وَلْيُؤَدِّ الدِّيَةَ، أَوْجَبَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى الْقَاتِلِ أَدَاءَ الدِّيَةِ إلَى الْوَلِيِّ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ الرِّضَا؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الدِّيَةِ صِيَانَةُ النَّفْسِ عَنْ الْهَلَاكِ، وَإِنَّهُ وَاجِبٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ}، وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْقَتْلِ يَجِبُ حَقًّا لِلْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَرَدَتْ عَلَى حَقِّهِ فَكَانَ الْوَاجِبُ بِهَا حَقًّا لَهُ، وَحَقُّ الْعَبْدِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ.
وَالْمَقْتُولُ لَا يَنْتَفِعُ بِالْقِصَاصِ، وَيَنْتَفِعُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ، وَتُنَفَّذُ مِنْهُ وَصَايَاهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرَعَ الْقِصَاصُ أَصْلًا إلَّا أَنَّهُ شُرِعَ لِحِكْمَةِ الزَّجْرِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ قَتْلِ عَدُوِّهِ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الْمَالِ، فَشُرِعَ ضَمَانًا زَاجِرًا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي شُرْبِ خَمْرِ الذِّمِّيِّ إلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ النَّفْسِ، وَفِي الْقِصَاصِ مَعْنَى الْبَدَلِيَّةِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}، وَالْبَاءُ تُسْتَعْمَلُ فِي الْإِبْدَالِ فَتُؤَدِّي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَخُيِّرَ بَيْنَهُمَا.
(وَلَنَا) قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}، وَهَذَا يُفِيدُ تَعَيُّنَ الْقِصَاصِ مُوجَبًا، وَيَبْطُلُ مَذْهَبُ الْإِبْهَامِ جَمِيعًا، أَمَّا الْإِبْهَامُ فَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ كَوْنِ الْقِصَاصِ وَاجِبًا فَيَصْدُقُ الْقَوْلُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَحَدُ حَقَّيْنِ لَا يَصْدُقُ الْقَوْلَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِأَنَّهُ أَوْجَبُ.
(وَأَمَّا) التَّعْيِينُ فَلِأَنَّهُ إذَا أَوْجَبَ الْقِصَاصَ عَلَى الْإِشَارَةِ إلَيْهِ بَطَلَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ بِضَرُورَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَابَلُ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِاخْتِيَارِ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْقَاتِلِ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ إذَا كَانَ عَيْنَ حَقِّهِ كَانَتْ الدِّيَةُ بَدَلَ حَقِّهِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَعْدِلَ مِنْ غَيْرِ الْحَقِّ إلَى بَدَلِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ كَمَنْ عَلَيْهِ حِنْطَةٌ مَوْصُوفَةٌ فَأَرَادَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، كَذَا هَذَا، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «الْعَمْدُ قَوَدٌ» وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى نَحْوِ وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وَلِأَنَّ ضَمَان الْعُدْوَانِ الْوَارِدِ عَلَى حَقِّ الْعَبْدِ مُقَيَّدٌ بِالْمِثْلِ، وَالْقِصَاصُ وَهُوَ الْقَتْلُ الثَّانِي مِثْلُ الْقَتْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَنُوبُ مَنَابَ الْأَوَّلِ وَيَسُدُّ مَسَدَّهُ، وَمِثْلُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ الَّذِي يَنُوبُ مَنَابَهُ، وَيَسُدُّ مَسَدَّهُ، وَأَخْذُ الْمَالِ لَا يَنُوبُ مَنَابَ الْقَتْلِ، وَلَا يَسُدُّ مَسَدَّهُ، فَلَا يَكُونُ مِثْلًا لَهُ فَلَا يَصْلُحُ ضَمَانًا لِلْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ أَصْلًا إلَّا أَنَّ الْوُجُوبَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ ثَبَتَ شَرْعًا تَخْفِيفًا عَلَى الْخَاطِئِ نَظَرًا لَهُ إظْهَارًا لِخَطَرِ الدَّمِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْهَدَرِ، وَالْعَامِدُ لَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، وَالصِّيَانَةُ تَحْصُلُ بِالْقِصَاصِ، فَبَقِيَ ضَمَانًا أَصْلِيًّا فِي الْبَابِ.
(وَأَمَّا) الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} هُوَ الْوَلِيُّ لَا الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ}، وَالْقَاتِلُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لَا مَعْفُوٌّ لَهُ، وَلِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى اسْمُهُ: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} فَلْيَتَّبِعْ، وَإِنَّهُ أَمْرٌ لِمَنْ دَخَلَ تَحْتَ كَلِمَةِ فَمَنْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَتَّبِعُ أَحَدًا بَلْ هُوَ الْمُتَّبَعُ، وَإِنَّمَا الْمُتَّبِعُ هُوَ الْوَلِيُّ، فَكَانَ هُوَ الدَّاخِلُ تَحْتَ كَلِمَةِ فَمَنْ فَكَانَ مَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَمَنْ بُذِلَ لَهُ، وَأُعْطِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءُ بِطَرِيقِ الْفَضْلِ، وَالسُّهُولَةِ فَلْيَتَّبِعْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْعَفْوِ بِمَعْنَى الْفَضْلِ لُغَةً قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ} أَيْ الْفَضْلَ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ خُذْ مَا أَتَاكَ عَفْوًا أَيْ فَضْلًا، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: إنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْمَالِ مِنْ الْقَاتِلِ بِرِضَاهُ، وَقِيلَ الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ نَزَلَتْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي دَمٍ بَيْن نَفَرٍ يَعْفُو أَحَدُهُمْ عَنْ الْقَاتِلِ فَلِلْبَاقِينَ أَنْ يَتَّبِعُوا بِالْمَعْرُوفِ فِي نَصِيبِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}، وَهُوَ الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: أُوقِعَ الِاحْتِمَالُ فِي الْمُرَادِ بِالْآيَةِ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَقَوْلُهُ: فِي دَفْعِ الدِّيَةِ صِيَانَةُ نَفْسِ الْقَاتِلِ عَنْ الْهَلَاكِ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ، قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ يَصِيرَ آثِمًا بِالِامْتِنَاعِ لَا أَنْ يَمْلِكَ الْوَلِيُّ أَخْذَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ كَمَنْ أَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ، وَعِنْدَ صَاحِبِهِ طَعَامٌ يَبِيعُهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ عَنْ الشِّرَاءِ لَيْسَ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يَدْفَعَ الطَّعَامَ إلَيْهِ، وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، كَذَا هَذَا، وَقَوْلُهُ الْمَقْتُولُ: لَا يَنْتَفِعُ بِالْقِصَاصِ، قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَهُ بِإِكْفَاءِ وَرَثَتِهِ أَحْيَاءً، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِالْمَالِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ: بَيَانُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ:

وَأَمَّا بَيَانُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ فَنَقُولُ- وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ-: الْمَقْتُولُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُون حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا، فَإِنْ كَانَ حُرًّا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ، وَإِمَّا أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ فَالْمُسْتَحِقُّ لِلْقِصَاصِ هُوَ الْوَارِثُ كَالْمُسْتَحِقِّ لِلْمَالِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ، وَالْوَارِثُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى الْمَيِّتِ فَيَكُونُ لَهُ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا اسْتَحَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ جَمَاعَةً اسْتَحَقُّوهُ عَلَى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ كَالْمَالِ الْمَوْرُوثِ عَنْهُ وَجْهُ قَوْلِهِمَا فِي تَمْهِيدِ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ الْقِصَاصَ مُوجَبُ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى الْمَقْتُولِ فَكَانَ مُوجَبُهَا حَقًّا لَهُ إلَّا أَنَّهُ بِالْمَوْتِ عَجَزَ عَنْ الِاسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ فَتَقُومُ الْوَرَثَةُ مَقَامَهُ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ عَنْهُ، وَيَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ، وَلِهَذَا تَجْرِي فِيهِ سِهَامُ الْوَرَثَةِ مِنْ النِّصْفِ، وَالثُّلُثِ، وَالسُّدُسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا تَجْرِي فِي الْمَالِ وَهَذَا آيَةُ الشَّرِكَةِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقِصَاصِ هُوَ التَّشَفِّي، وَأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ، وَيَحْصُلُ لِلْوَرَثَةِ فَكَانَ حَقًّا لَهُمْ ابْتِدَاءً، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْكَمَالِ كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ لَا عَلَى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ أَنَّهُ حَقٌّ لَا يَتَجَزَّأُ، وَالشَّرِكَةُ فِيمَا لَا يَتَجَزَّأُ مُحَالٌ، إذْ الشَّرِكَةُ الْمَعْقُولَةُ هِيَ أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ لِهَذَا، وَالْبَعْضُ لِذَلِكَ، كَشَرِيكِ الْأَرْضِ وَالدَّارِ، وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَتَبَعَّضُ مُحَالٌ.
وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ الْحُقُوقِ إذَا ثَبَتَ لِجَمَاعَةٍ، وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُ ثُبُوتِهِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ كَوِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ، وَوِلَايَةِ الْأَمَانِ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا قُتِلَ إنْسَانٌ عَمْدًا، وَلَهُ وَلِيَّانِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ فَأَقَامَ الْحَاضِرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْقَتْلِ، ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ أَنَّهُ يُعِيدُ الْبَيِّنَةَ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يُعِيدُ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْقَتْلَ إذَا كَانَ خَطَأً لَا يُعِيدُ، وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ بِأَنْ كَانَ لِأَبِيهِمَا دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ، وَوَجْهُ الْبِنَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَمَّا كَانَ الْقِصَاصُ حَقًّا ثَابِتًا لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْنَبِيًّا عَنْ صَاحِبِهِ، فَيَقَعُ إثْبَاتُ الْبَيِّنَةِ لَهُ لَا لِلْمَيِّتِ، فَلَا يَكُونُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ فِي الْإِثْبَاتِ فَتَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ، وَلَمَّا كَانَ حَقًّا مَوْرُوثًا عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِنْدَهُمَا، وَالْوَرَثَةُ خُلَفَاؤُهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ يَقَعُ الْإِثْبَاتُ لِلْمَيِّتِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْوَرَثَةِ خَصْمٌ عَنْ الْمَيِّتِ فِي حُقُوقِهِ كَمَا فِي الدِّيَةِ وَالدَّيْنِ، فَيَصِحُّ مِنْهُ إثْبَاتُ الْكُلِّ لِلْمَيِّتِ ثُمَّ يَخْلُفُونَهُ كَمَا فِي الْمَالِ.
وَلَوْ قُتِلَ إنْسَانٌ، وَلَهُ وَلِيَّانِ وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ، وَأَقَامَ الْقَاتِلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْحَاضِرِ أَنَّ الْغَائِبَ قَدْ عَفَا فَالشَّاهِدُ خَصْمٌ؛ لِأَنَّ تَحَقُّقَ الْعَفْوِ مِنْ الْغَائِبِ يُوجِبُ بُطْلَانَ حَقِّ الْحَاضِرِ عَنْ الْقِصَاصِ، فَكَانَ الْقَاتِلُ مُدَّعِيًا عَلَى الْحَاضِرِ بُطْلَانَ حَقِّهِ فَكَانَ خَصْمًا لَهُ، وَيَقْضِي عَلَيْهِ، وَمَتَى قَضَى عَلَيْهِ يَصِيرُ الْغَائِبُ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ تَبَعًا لَهُ- وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ-، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ بَيِّنَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْحَاضِرَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ غَيْرِهِ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، أَمَّا لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ غَيْرِهِ فِي الْيَمِينِ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الْقِصَاصُ إذَا كَانَ بَيْنَ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ أَنَّ لِلْكَبِيرِ وِلَايَةَ الِاسْتِيفَاءِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَيُنْتَظَرُ بُلُوغُ الصَّغِيرِ، وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- لَمَّا كَانَ الْقِصَاصُ حَقًّا ثَابِتًا لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ لِاسْتِقْلَالِ سَبَبِ ثُبُوتِهِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَعَدَمِ تَجَزُّئِهِ فِي نَفْسِهِ ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْكَمَالِ كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَلَا مَعْنَى لِتَوَقُّفِ الِاسْتِيفَاءِ عَلَى بُلُوغِ الصَّغِيرِ.
وَعِنْدَهُمَا لَمَّا كَانَ حَقًّا مُشْتَرَكًا بَيْن الْكُلِّ فَأَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لَا يَنْفَرِدُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَحَلٍّ مُشْتَرَكٍ بِدُونِ رِضَا شَرِيكِهِ إظْهَارًا لِعِصْمَةِ الْمَحَلِّ، وَتَحَرُّزًا عَنْ الضَّرَرِ، وَالصَّحِيحُ أَصْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَحْتَمِلُ التَّجْزِئَةَ، وَالشَّرِكَةُ فِي غَيْرِ الْمُتَجَزِّئِ مُحَالٌ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الشَّرِكَةُ إذَا انْقَلَبَ مَالًا؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَحَلٌّ قَابِلٌ لِلشَّرِكَةِ عَلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنْ سَلَّمَ أَنَّ الْقِصَاصَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فَلَا بَأْسَ بِالتَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقَتْلُ بِثُبُوتِ وِلَايَةِ الِاسْتِيفَاءِ لِلْكَبِيرِ فِي نَصِيبِهِ بِطُرُقِ الْأَصَالَةِ، وَفِي نَصِيبِ الصَّغِيرِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ شَرْعًا، كَالْقِصَاصِ إذَا كَانَ بَيْنَ إنْسَانٍ وَابْنِهِ الصَّغِيرِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا حَاجَتُهُمَا إلَى اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لِاسْتِيفَاءِ النَّفْسِ، وَعَجْزُ الصَّغِيرِ عَنْ الِاسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ، وَقُدْرَةُ الْكَبِيرِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَوْنُ تَصَرُّفِهِ فِي النَّظَرِ، وَالشَّفَقَةُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ مِثْلُ تَصَرُّفِ الصَّغِيرِ بِنَفْسِهِ لَوْ كَانَ أَهْلًا؛ وَلِهَذَا يَلِي الْأَبُ وَالْجَدُّ اسْتِيفَاءَ قِصَاصٍ وَجَبَ كُلُّهُ لِلصَّغِيرِ فَهَذَا أَوْلَى، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا جَرَحَ ابْنُ مُلْجِمٍ- لَعَنَهُ اللَّهُ- سَيِّدَنَا عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ فَقَالَ لِلْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنْ شِئْت فَاقْتُلْهُ، وَإِنْ شِئْت فَاعْفُ عَنْهُ وَأَنْ تَعْفُوَ خَيْرٌ لَك، فَقَتَلَهُ سَيِّدُنَا الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ فِي وَرَثَةِ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَغَارٌ، وَالِاسْتِدْلَالُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالثَّانِي بِفِعْلِ سَيِّدِنَا الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ خَيَّرَ سَيِّدَنَا الْحَسَنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: إنْ شِئْت فَاقْتُلْهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ التَّقْيِيدِ بِبُلُوغِ الصِّغَارِ.
(وَأَمَّا) الثَّانِي: فَلِأَنَّ الْحَسَنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَتَلَ ابْنَ مُلْجَمٍ- لَعَنَهُ اللَّهُ- وَلَمْ يَنْتَظِرْ بُلُوغَ الصِّغَارِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ فَيَكُونَ إجْمَاعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، وَكَانَ لَهُ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَقُ فَالْمُسْتَحِقُّ لِلْقِصَاصِ هُوَ؛ لِأَنَّ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ آخِرُ الْعَصَبَاتِ ثُمَّ إنْ كَانَ وَاحِدًا اسْتَحَقَّ كُلَّهُ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً اسْتَحَقُّوهُ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَارِثٌ، وَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ أَيْضًا فَلَا قِصَاصَ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ مُشْتَبَهٌ لِاشْتِبَاهِ سَبَبِ الْوِلَايَةِ، فَالسَّبَبُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ هُوَ الْقَرَابَةُ، وَفِي حَقِّ الْمَوْلَى الْوَلَاءُ، وَهُمَا سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَاشْتِبَاهُ الْوَلِيِّ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ لِلْقِصَاصِ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ، وَلَهُ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْوَرَثَةِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْقِصَاصَ كَمَا يَسْتَحِقُّ الْمَالَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، وَلَا لَهُ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ، وَلَا مَوْلَى الْمُوَالَاةِ كَاللَّقِيطِ وَغَيْرِهِ فَالْمُسْتَحِقُّ هُوَ السُّلْطَانُ فِي قَوْلِهِمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- لَا يَسْتَحِقُّهُ إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْحُجَجُ تَأْتِي فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ عَبْدًا فَالْمُسْتَحِقُّ هُوَ الْمَوْلَى لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ ثَبَتَ، وَأَقْرَبُ النَّاسِ إلَى الْعَبْدِ مَوْلَاهُ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَوْلَى، وَاحِدًا اسْتَحَقَّ كُلَّهُ، وَإِنْ كَانَ جَمَاعَةً اسْتَحَقُّوهُ لِوُجُودِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَهُوَ الْمِلْكُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ: بَيَانُ مَنْ يَلِي اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ:

وَأَمَّا بَيَانُ مَنْ يَلِي اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، وَشَرْطِ جَوَازِ اسْتِيفَائِهِ فَوِلَايَةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ تَثْبُتُ بِأَسْبَابٍ: مِنْهَا: الْوِرَاثَةُ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْوَارِثَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ وَاحِدًا (وَإِمَّا) إنْ كَانُوا جَمَاعَةً، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَ كَبِيرًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ صَغِيرًا، فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ لِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا}، وَلِوُجُودِ سَبَبِ الْوِلَايَةِ فِي حَقِّهِ عَلَى الْكَمَالِ، وَهُوَ الْوِرَاثَةُ مِنْ غَيْرِ مُزَاحِمَةٍ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: يُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْتَوْفِيهِ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ كِبَارًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وِلَايَةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ أَحَدُهُمْ صَارَ الْقِصَاصُ مُسْتَوْفًى؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إنْ كَانَ حَقَّ الْمَيِّتِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْوَرَثَةِ خَصْمًا فِي اسْتِيفَاءِ حَقِّ الْمَيِّتِ كَمَا فِي الْمَالِ وَإِذَا كَانَ حَقُّ الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فَقَدْ وُجِدَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، إلَّا أَنَّ حُضُورَ الْكُلِّ شَرْطُ جَوَازِ الِاسْتِيفَاءِ، وَلَيْسَ لِلْبَعْضِ وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ مَعَ غَيْبَةِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ فِيهِ احْتِمَالُ اسْتِيفَاءِ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ لِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ مِنْ الْغَائِبِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فَقَالَ: لَا أَدْرِي لَعَلَّ الْغَائِبَ عَفَا، وَكَذَا إذَا كَانَ الْكُلُّ حُضُورًا لَا يَجُوزُ لَهُمْ، وَلَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يُوَكِّلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْغَائِبَ قَدْ عَفَا، وَلِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ رَجَاءَ الْعَفْوِ مِنْهُ عِنْدَ مُعَايَنَةِ حُلُولِ الْعُقُوبَةِ بِالْقَاتِلِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} (فَأَمَّا) الِاسْتِيفَاءُ بِالْوَكِيلِ فَجَائِزٌ إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ، فَإِنْ كَانَ الْكَبِيرَ هُوَ الْأَبُ بِأَنْ كَانَ الْقِصَاصُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ الصَّغِيرِ فَلِلْأَبِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَمْ يُقَاصِصْ كَانَ لِلْأَبِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فَهاَهُنَا أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْكَبِيرُ غَيْرَ الْأَبِ بِأَنْ كَانَ أَخًا فَلِلْكَبِيرِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ- تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ ذَكَرْنَاهُ بِدَلَائِلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهَا: الْأُبُوَّةُ فَلِلْأَبِ، وَالْجَدِّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ قِصَاصًا وَجَبَ لِلصَّغِيرِ فِي النَّفْسِ، وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةُ نَظَرٍ وَمَصْلَحَةٍ كَوِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ، فَتَثْبُتَ لِمَنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِكَمَالِ النَّظَرِ وَالْمَصْلَحَةِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ.
(وَأَمَّا) الْوَصِيُّ فَلَا يَلِي اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ بِأَنْ قَتَلَ شَخْصٌ عَبْدَ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْوَصِيِّ لَا يَصْدُرُ عَنْ كَمَالِ النَّظَرِ وَالْمَصْلَحَةِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ لِقُصُورٍ فِي الشَّفَقَةِ الْبَاعِثَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَلِلْوَصِيِّ وِلَايَةُ اسْتِيفَاءِ الْمَالِ.
(وَمِنْهَا) الْمِلْكُ الْمُطْلَقُ وَقْتَ الْقَتْلِ، فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ إذَا قُتِلَ مَمْلُوكُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إبْطَالُ حَقِّ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ ثَبَتَ لَهُ، وَهُوَ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، وَكَذَا إذَا قُتِلَ مُدَبَّرُهُ، وَمُدَبَّرَتُهُ، وَأُمُّ وَلَدِهِ، وَوَلَدُهَا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ، وَالِاسْتِيلَادَ يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ، وَكَذَا إذَا قُتِلَ الْمُكَاتَبُ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً؛ لِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقًا، فَكَانَ مِلْكُ الْمَوْلَى قَائِمًا وَقْتَ الْقَتْلِ، وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا قُتِلَ عَاجِزًا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمُكَاتَبِ (وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ مَوْت الْمُكَاتَبِ عَاجِزًا يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْكِتَابَةِ، وَجَعْلَهَا كَأَنْ لَمْ تَكُنْ فَالْقَتْلُ صَادَفَهُ وَهُوَ قِنٌّ، وَمَوْتُ مُعْتَقِ الْبَعْضِ لَا يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْعِتْقِ إذْ الْإِعْتَاقُ بَعْدَ وُجُودِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَالْقَتْلُ صَادَفَهُ، وَلَا مِلْكَ لِلْمَوْلَى فِي كُلِّهِ، وَلَوْ قُتِلَ الْمُكَاتَبُ، وَتَرَكَ وَفَاءً، وَوَرَثَةً أَحْرَارًا سِوَى الْمَوْلَى لَا قِصَاصَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِيه الْمَوْلَى لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي قِيَامِ الْمَوْلَى وَقْتَ الْقَتْلِ، وَلَا الْوَارِثُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ يَمُوتُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، فَامْتَنَعَ الْوُجُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ حُرٌّ غَيْرَ الْمَوْلَى فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ وَلَوْ قُتِلَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إجَازَةَ الْبَيْعِ فَلَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ لَهُ وَقْتُ الْقَتْلِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ بِالْإِجَازَةِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، وَإِنْ اخْتَارَ فَسْخَ الْبَيْعِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لِلْبَائِعِ الْقِيمَةُ، وَلَا قِصَاصَ لَهُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَهُ وَقْتَ الْقَتْلِ، وَإِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْفَسْخِ، وَالسَّبَبُ حِينَ وُجُودِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا الْحُكْمَ لَهُ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ بِمَعْنًى وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ رَدَّ الْبَيْعِ فَسْخٌ لَهُ مِنْ الْأَصْلِ، وَجَعْلُ إيَّاهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَإِذَا انْفَسَخَ مِنْ الْأَصْلِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَةَ، وَرَدَتْ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَيُوجَبُ الْقِصَاصُ لَهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي وِلَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ؛ لِهَذَا الْمَعْنَى، إنْ بِالْفَسْخِ يَظْهَرُ أَنَّ الْعَبْدَ وَقْتَ الْقَتْلِ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَلَوْ قُتِلَ الْعَبْدُ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الصَّدَاقِ فِي يَدِ الزَّوْجِ، أَوْ بَدَلُ الْخُلْعِ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ، أَوْ بَدَلُ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فِي يَدَيْ الَّذِي صَالَحَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلصَّدَاقِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ إنْ اخْتَارَ إتْبَاعَ الْقَاتِلِ فَقَدْ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ لَهُ، وَإِنْ طَالَبَ بِالْقِيمَةِ فَالْمِلْكُ فِي الْعَبْدِ قَدْ انْفَسَخَ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ لِلْآخَرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ وَلَوْ قُتِلَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الشَّرْطِ أَوْ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَالْقِصَاصُ لَلْمُشْتَرِي قَبَضَ الْبَائِعُ الثَّمَن أَوْ لَمْ يَقْبِضْ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ قَدْ سَقَطَ بِمَوْتِ الْعَبْدِ، وَانْبَرَمَ الْبَيْعُ، وَتَقَرَّرَ الْمِلْكُ فِيهِ لِلْمُشْتَرِي فَوَجَبَ الْقِصَاصُ لَهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ، كَمَا إذَا قُتِلَ فِي يَدِهِ، وَلَا خِيَارَ فِي الْبَيْعِ أَصْلًا، وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَإِنْ شَاءَ أَتْبَعَ الْقَاتِلَ فَقَتَلَهُ قِصَاصًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ الْقِيمَةَ.
(وَأَمَّا) اخْتِيَارُ إتْبَاعِ الْقَاتِلِ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ وَقْتَ الْقَتْلِ كَانَ مِلْكًا لَهُ.
(وَأَمَّا) اخْتِيَارُ تَضَمُّنِ الْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ فَلِأَنَّهُ كَانَ مَضْمُونًا فِي يَدِهِ الْقِيمَةُ، أَلَا تَرَى لَوْ هَلَكَ بِنَفْسِهِ فِي يَدِهِ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ؟ وَلَا قِصَاصَ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ هَلَكَ الْعَبْدُ بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ، وَالْمُسْتَنَدُ يَظْهَرُ مِنْ وَجْهٍ، وَيَقْتَصِرُ مِنْ وَجْهٍ فَشِبْهُ الظُّهُورِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ لَهُ، وَشِبْهُ الِاسْتِنَادِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجِبَ، فَتَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِي الْوُجُوبِ لَهُ فَلَا يَجِبُ، وَكَذَا الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ إذَا قُتِلَ فِي يَدَيْ الْغَاصِبِ وَاخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ الْقِصَاصُ؛ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ قُتِلَ عَبْدٌ مُوصًى بِرَقَبَتِهِ لِرَجُلٍ، وَبِخِدْمَتِهِ لِآخَرَ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ لَا مِلْكَ لَهُ فِي الرَّقَبَةِ فَلَا يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ، وَالْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ وَإِنْ مَلَكَ الرَّقَبَةَ لَكِنْ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ لَا إلَى بَدَلٍ هُوَ مَالٌ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَإِذَا اجْتَمَعَا فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ؛ لِأَنَّ الْمُطْلِقَ لِلِاسْتِيفَاءِ مَوْجُودٌ، وَهُوَ قِيَامُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَالِامْتِنَاعُ كَانَ لِحَقِّ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ فَإِذَا رَضِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ.
وَلَوْ قُتِلَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ.
(أَمَّا) الْمُرْتَهِنُ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَهُ وَقْتَ الْقَتْلِ فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ ثُبُوتِ وِلَايَةِ الِاسْتِيفَاءِ فِي حَقِّهِ.
(وَأَمَّا) الرَّاهِنُ فَلِأَنَّ اسْتِيفَاءَهُ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنُ يَصِيرُ هَالِكًا مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا كَانَ رَهْنًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ، وَالْقِصَاصُ لَا يَصْلُحُ بَدَلًا عَنْ الْمَالِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فَيَصِيرَ الرَّهْنُ هَالِكًا مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ فَيَسْقُطَ دَيْنُهُ فَكَانَ فِي اسْتِيفَائِهِ الْقِصَاصَ إبْطَالُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَوْ اجْتَمَعَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ-
رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ-؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ كَانَ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَقَدْ رَضِيَ بِسُقُوطِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، وَإِنْ اجْتَمَعَا عَلَى الِاسْتِيفَاءِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ.
(وَمِنْهَا) الْوَلَاءُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَى الْأَسْفَلِ وَارِثٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ سَبَبُ الْوِلَايَةِ فِي الْجُمْلَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ يُزَوِّجُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْعَصَبَاتِ، وَمَوْلَى الْمُوَالَاةِ يُزَوِّجُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ فَلَا قِصَاصَ لِاشْتِبَاهِ الْوَلِيِّ فَلَا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِيفَاءُ.
(وَمِنْهَا) السَّلْطَنَةُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَرَثَةِ، وَالْمِلْكِ، وَالْوَلَاءِ كَاللَّقِيطِ، وَنَحْوِهِ إذَا قُتِلَ، وَهَذَا قَوْلُهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ- لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْمَقْتُولَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَخْلُو عَنْ وَلِيٍّ لَهُ عَادَةً إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا لَا يُعْرَفُ، وَقِيَامُ وِلَايَةِ الْوَلِيِّ تَمْنَعُ وِلَايَةَ السُّلْطَانِ، وَبِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ، بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَهُمَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي قَتِيلٍ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ وَلَيٌّ عِنْدَ النَّاسِ فَكَانَ وَلِيُّهُ السُّلْطَانَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «السُّلْطَانُ وَلَيُّ مِنْ لَا وَلَيَّ لَهُ».
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَا قُتِلَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ الْهُرْمُزَانُ، وَالْخِنْجَرُ فِي يَدِهِ فَظَنَّ عُبَيْدُ اللَّهِ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَتَلَ سَيِّدَنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَتَلَهُ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى سَيِّدِنَا عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِسَيِّدِنَا عُثْمَانَ اُقْتُلْ عُبَيْدَ اللَّهِ فَامْتَنَعَ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ: كَيْفَ أَقْتُلُ رَجُلًا قُتِلَ أَبُوهُ أَمْسِ؟ لَا أَفْعَلُ، وَلَكِنْ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَنَا وَلِيُّهُ أَعْفُو عَنْهُ، وَأُؤَدِّي دِيَتَهُ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ أَعْفُو عَنْهُ، وَأُؤَدِّي دِيَتَهُ الصُّلْحَ عَلَى الدِّيَةِ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى الدِّيَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ بِدَلِيلِ أَنَّ مِيرَاثَهُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا الْإِمَامُ نَائِبٌ عَنْهُمْ فِي الْإِقَامَةِ، وَفِي الْعَفْوِ إسْقَاطُ حَقِّهِمْ أَصْلًا وَرَأْسًا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْأَبُ، وَالْجَدُّ، وَإِنْ كَانَا يَمْلِكَانِ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى الدِّيَةِ كَمَا فَعَلَ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ بِالصَّوَابِ.